محمد بن جرير الطبري

3

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال : أهل الحرب ، من لا عهد له ، جادله بالسيف . وقال آخرون : معنى ذلك : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ الذين قد آمنوا به ، واتبعوا رسوله فيما أخبروكم عنه مما في كتبهم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فأقاموا على كفرهم ، وقالوا : هذه الآية محكمة ، وليست بمنسوخة . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال : ليست بمنسوخة ، لا ينبغي أن تجادل من آمن منهم ، لعلهم يحسنون شيئا في كتاب الله ، لا تعلمه أنت ، فلا تجادله ، ولا ينبغي أن تجادل إلا الذين ظلموا ، المقيم منهم على دينه . فقال : هو الذي يجادل ، ويقال له السبت . . . . قال : وهؤلاء يهود . قال : ولم يكن بدار الهجرة من النصارى أحد ، إنما كانوا يهودا هم الذي كلموا وحالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وغدرت النضير يوم أحد ، وغدرت قريظة يوم الأحزاب . وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية قبل أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقتال ، وقالوا : هي منسوخة نسخها قوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ثم نسخ بعد ذلك ، فأمر بقتالهم في سورة براءة ، ولا مجادلة أشد من السيف أن يقاتلوا حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو يقروا بالخراج . وأولى هذه الأقوال بالصواب ، قول من قال : عني بقوله إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ إلا الذين امتنعوا من أداء الجزية ، ونصبوا دونها الحرب . فإن قال قائل : أو غير ظالم من أهل الكتاب ، إلا من لم يؤد الجزية ؟ قيل : إن جميعهم وإن كانوا لأنفسهم بكفرهم بالله ، وتكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، ظلمة ، فإنه لم يعن بقوله إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ . ظلم أنفسهم . وإنما عنى به : إلا الذين ظلموا منهم أهل الإيمان بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن أولئك جادلوهم بالقتال . وإنما قلنا : ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب ، لأن الله تعالى ذكره أذن للمؤمنين بجدال ظلمة أهل الكتاب بغير الذي هو أحسن ، بقوله إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فمعلوم إذ كان قد أذن لهم في جدالهم ، أن الذين لم يؤذن لهم في جدالهم إلا بالتي هي أحسن ، غير الذين أذن لهم بذلك فيهم ، وأنهم غير المؤمن ، لأن المؤمن منهم غير جائز جداله إلا في غير الحق ، لأنه إذا جاء بغير الحق ، فقد صار في معنى الظلمة في الذي خالف فيه الحق . فإذ كان ذلك كذلك ، تبين أن لا معنى لقول من قال : عنى بقوله وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ أهل الإيمان منهم ، وكذلك لا معنى لقول من قال : نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال ، وزعم أنها منسوخة ، لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر ، ولا دلالة على صحته من فطرة عقل . وقد بينا في غير موضع من كتابنا ، أنه لا يجوز أن يحكم على حكم الله في كتابه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل . وقوله : وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله ، الذين نهاهم أن يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن : إذا حدثكم أهل الكتاب أيها القوم عن كتبهم ، وأخبروكم عنها بما يمكن ويجوز أن يكونوا فيه صادقين ، وأن يكونوا فيه كاذبين ، ولم تعلموا أمرهم وحالهم في ذلك فقولوا لهم آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مما في التوراة والإنجيل وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ يقول : ومعبودنا ومعبودكم واحد وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ يقول : ونحن له خاضعون متذللون بالطاعة فيما أمرنا ونهانا . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، جاء الأثر عن رسول الله